محمد أبو زهرة
646
زهرة التفاسير
بل إن هذه الصور المعتمة هي التي يسود بها تاريخ المستبدين ، فإن لم يقولوها بلسان المقال قالوها بلسان الفعال ، وهو أقوى أثرا وأبعد طغيانا ؛ ولذلك كان من الجهاد في سبيل الله : أن يقول المؤمن لهم كلمة الحق ؛ وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل الجهاد كلمة حق لسلطان جائر » « 1 » . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ بعد أن ذكر الله سبحانه بعض الناس الذين يعدون داء الجماعات التي تؤدى إلى الفساد ، وإلى الهلاك ، وحالهم إذا تولوا حكم الناس - ذكر أهل الفضل الذين يعدون دواء هذا الداء ، وعلاج ذلك المرض الفتاك ، وصلاح ذلك الفساد ؛ فإنه إذا كان طغيان بعض الولاة هو الذي يؤدى إلى هلاك الحرث والنسل ، فأولئك الأبرار الذين يجاهدون الطغيان هم الذين يقفون تياره ، ويصدعون بأمر الله ، وهم الذين باعوا أنفسهم مجاهدين ناطقين بكلمة الحق ؛ ولذا قال سبحانه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ أي يبيع نفسه لله سبحانه ؛ فيفدى دين الله والحق بنفسه وماله وكل ما يملك وفي ذكر الفريق المقابل لأهل الشر بذلك الوصف الذي يشعر بأن أخص حالهم بذل النفس والنفيس ، لا مجرد الإخلاص والبراءة من النفاق - إشارة إلى عظم المهمة الملقاة على عاتقهم ، وهي مجاهدة الشر والتغلب عليه ، وإزالة أوضاره ؛ فإن ذلك يقتضى التعرض للأذى ، بل للتلف ، ومن قتل في سبيله قتل شهيدا ، بل إنه يكون أفضل الشهداء ، كما صرح بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم « 2 » .
--> ( 1 ) رواه بهذا اللفظ أحمد في مسنده ( 10716 ) في حديث طويل فيه مواعظ وفوائد . ورواه الترمذي في الفتن ( 2100 ) ، وأبو داود في الملاحم ( 3781 ) . ( 2 ) عن نعيم بن همّار أنّ رجلا سأل النّبىّ صلى اللّه عليه وسلم : أىّ الشّهداء أفضل ؟ قال : « الّذين إن يلقوا في الصّفّ يلفتون وجوههم حتّى يقتلوا ، أولئك ينطلقون في الغرف العلى من الجنّة ويضحك إليهم ربّهم ، وإذا ضحك ربّك إلى عبد في الدّنيا فلا حساب عليه » . [ رواه أحمد : باقي مسند الأنصار ( 21438 ) ] . وروى الترمذي : فضل الشهداء عند الله ، عن عمر بن الخطّاب يقول : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « الشّهداء أربعة رجل مؤمن جيّد الإيمان لقى العدوّ فصدق اللّه حتّى قتل ، فذلك الّذى يرفع النّاس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا » ورفع رأسه حتّى وقعت قلنسوته - قال : فما أدرى أقلنسوة عمر أراد أم قلنسوة النّبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « ورجل مؤمن جيّد الإيمان لقى العدوّ فكأنّما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن أتاه سهم غرب فقتله فهو في الدّرجة الثّانية ، ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيّئا لقى العدوّ فصدق الله -